هشام جعيط
292
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
والمصادر نفسها لا تخول لنا وضع السماسرة في بيع الرقيق أو النخاسين في الكناسة كما فعل ماسينيون أيضا دون برهان « 1 » . ويكفي ما روي صراحة بخصوص مسلمة بن عبد الملك الذي هدد ببيع بني المهلب رقيقا بعد ثورة يزيد ( سنة 102 ه ) « 2 » في دار الرزق ، للتدليل على أن هنا لا بالكناسة كانت تعقد مثل هذه الصفقات المرتبطة بالحرب ، وبالدور الاقتصادي التوزيعي للدولة ، المتركز بدار الرزق فعلا . وبقدر ما كان هذا المخزن الكبير للدولة يوزع على فترات منتظمة المنتوجات الغذائية على السكان العرب في شكل أرزاق ، فقد كان على هؤلاء السكان خزنها والاستغناء بذلك عن نقاط البيع بالمفرّق داخل خطط القبائل ، إذ لم يرد ذكرها بالمرة . وهكذا نجد أسواقا كبرى ومؤسسة عمومية تشرف عليها الدولة من جهة ، وشكلا اقتصاديا عائليا من جهة أخرى ، فضلا عن نشوء أسواق جديدة خارج الكوفة ، حين بدأت المدينة تزدهر . كان أسد بن عبد اللّه القسري شقيق خالد ، واليا على خراسان مدة ، فأمر ببناء قرية وسوق في منطقة الكوفة . وسمي هذا المركّب ( سوق أسد ) باسم السوق الدورية أو الدائمة . وقال البلاذري إنه « نقل إليها الناس » ، مضيفا أنها كانت معسكره أصلا ، عند توليه خراسان « 3 » . إن هذه المدينة - السوق التي تدور في فلك الكوفة ، أنشئت إنشاء إراديا ، وكانت في آن مستقلة ومرتبطة بوجود الكوفة . ولها مقابل في إنشاء يوسف بن عمر لسوق يوسف في الحيرة بالذات « 4 » . وقد استرجعت هذه المدينة العربية القديمة الموجودة قبل الإسلام عنفوانها في عصر هذا الوالي ( 120 - 126 ) ، واعتاد الولاة الإقامة بها حتى فترة ابن هبيرة ، بحيث يمكن التساؤل عما إذا لم تصبح لحين المقر غير الرسمي للحكم في العراق ، الأمر الذي يبين إرادة الابتعاد عن الكوفة والاقتراب منها في آن ، بالتخلي عن واسط . وبدون أن نقول إن « أرباض » الكوفة صارت تمتد حتى الحيرة ، وهي ظاهرة سوف ترى فيما بعد أي في القرن الثالث كما أثبتته آثار الحفريات ، فإنه يمكننا التأكيد أن الحيرة دخلت في فلك الكوفة سنة 100 ه ، فأصبحت تعيش ملتحمة بها . لقد ولى الزمن الذي كانت تؤثر تأثيرا عميقا على المصر ، من حيث الهندسة المعمارية والكتابة والصياغة ( كانت سوق الصاغة من الحيرة ) والخزف والتقنيات المصرفية والصيرفة « 5 » ، مع بقائها منعزلة لأنها كانت مقرا لشكل عروبي
--> ( 1 ) Ibid . , p . 53 . ( 2 ) الطبري ، ج 6 ، ص 602 . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 284 ؛ ابن الفقيه ، ص 183 ؛ ياقوت ، ج 3 ، ص 283 . ( 4 ) ابن الفقيه ، ص 181 ، ياقوت ج 3 ، ص 285 . ( 5 ) Massignon , op . cit . , p . 49 .